تميز الصراع الدائر في ليبيا منذ منتصف العام الماضي بدرجة عالية من الحركية مقارنةً بالصراعين المهمين الآخرين الدائرين في سوريا واليمن. فبينما يمكن القول بأن ثمة نموذجاً مستقراً نسبياً لهذين الصراعين، شهد الصراع في ليبيا منذ ذلك التاريخ، بل وقبله، تطورات متلاحقة بدأت بالتحول في ميزان القوى بين الغرب والشرق نتيجة التدخل الخارجي، ثم دخول متغير القوى العربية الحريصة على استعادة الدولة الليبية بإعلان مصر الخط الأحمر في يونيو2020 وتوقف التدهور. وتم بعد ذلك التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أكتوبر، ثم إلى خريطة طريق في نوفمبر تم بناءً عليها اختيار رئيس لحكومة الوحدة الوطنية ومجلس رئاسي جديد في فبراير2021. وحصل الكيانان الجديدان على ثقة مجلس النواب في مارس، فضلاً عن الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر القادم. وبدا أن التطورات تسير بثبات في طريق التسوية، وإن كان استمرار وجود الميليشيات المسلحة وانفلاتها وكذلك القوات الأجنبية والمرتزقة بمصالحهم المتضاربة مع مصالح الشعب الليبي، مثّل هاجساً ألقى بظلال من الشك على مستقبل التسوية. ثم بدأت بعض المؤشرات المقلقة الأخرى في الظهور متمثلةً في تباين توجهات القوى السياسية المختلفة بشأن إجراء الانتخابات، حيث كان واضحاً أن بعضها يدرك ضعف قاعدته الشعبية، ومن ثم يتحسب لنتائج الانتخابات واحتمال أن تفضي لتقويض نفوذه، ويعمل بالتالي على تأجيلها. كما أن الخلافات بدأت تدب بين مجلس النواب والجيش الوطني الليبي من جانب وحكومة الوحدة الوطنية من جانب آخر، وصولاً إلى سحب مجلس النواب الثقة من هذه الأخيرة. كما شهدت طرابلس صدامات بين ميليشيات محسوبة على أحد أطراف الصراع. وإلى ذلك كشفت اجتماعات مجلس الأمن في سبتمبر الماضي بخصوص التمديد لمهمة بعثة الدعم الأممي، عن خلافات مهمة بين الدول دائمة العضوية في المجلس حالت دون الموافقة على التمديد لعام والاكتفاء بأربعة أشهر. وهكذا بدا وكأن ثمة انتكاسة حقيقية في جهود تسوية الصراع.
ووسط هذه الأجواء يأتي اتفاق اللجنة العسكرية 5+5 في جنيف، يوم الجمعة الماضي، بعد اجتماعات دامت ثلاثة أيام على خطة شاملة لانسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، ليمثل بارقة أمل في إعادة قطار التسوية إلى سكته. وتبدو أهمية الاتفاق في كونه ينصرف إلى الخطر الأهم على مستقبل التسوية، وهو الوجود العسكري الأجنبي بكل أشكاله، ذلك أن إجراء الانتخابات في ظله يعرِّضها للتدخل الخارجي لتشويه نتائجها أو للانقلاب عليها إذا لم تأت بما لا يشتهيه هذا الوجود. ومن الأهمية بمكان أن لجنة 5+5 تمثل طرفي الصراع المحليين في ليبيا، بل تمثل المكون الأقوى في هذين الطرفين وهو المكون العسكري، بما يفتح الباب للأمل في تبلور رؤية مشتركة للمصلحة الوطنية الليبية، بينهما سوف تكون خير أساس لبناء ليبيا الجديدة الخالية من أي نفوذ أجنبي. ومن المؤكد أن تنفيذ هكذا اتفاق لن يكون سهلاً، بدليل أن موقِّعيه يدركون هذا، وهو ما يبدو واضحاً من حرصهم على تأكيد أن تكون عملية الانسحاب «تدريجيةً ومتوازنةً ومتسلسلةً»، كما أنه من المنطقي أن أطرافاً ليبية وكذلك أطرافاً خارجية سوف تتعارض مصالحها مع تنفيذ الاتفاق ومن ثم ستعمل بالتأكيد على إفشاله. غير أن الأمل يبقى متمثلاً في تأييد الشعب الليبي له، والمكون العسكري في طرفي الصراع المحليين، وكذلك الأمم المتحدة التي حرص رئيس بعثتها في ليبيا على تأكيد دعمها التام لعملية الانسحاب. وفق الله القوى الحية للشعب الليبي على تجاوز الأزمة الراهنة، وهي قادرة على ذلك بكل تأكيد، وإن كانت مهمتها بالغة الصعوبة.