تعتبر حرب المعلومة، من أقدم الحروب وأخطرها تأثيراً على الإدراك والتوجّهات وبناء القناعات، إذ يختلف أفراد المجتمعات على صحة المعلومات، وتتزايد مصادر المعلومات الموثوقة، ليعودوا للاتفاق على الاختلاف! هذه الضبابية بالتحديد، هي ما تواجهه مجتمعات العالم في ظل «الجوائح» المعلوماتية المضللة، وهشاشة بعض وسائل الإعلام، وانعدام معرفتها المهنية، ناهيك عن الطوفان المعلوماتي المرتكز على الإشاعات والمعطيات المغلوطة المتكاثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي لعب دورَ المحرّك الرئيس في توجيه بوصلة الأمن الاجتماعي والنفسي وحتى السياسي في المجتمعات. 

وعند الوقوف على عدد مثل 78 مليار دولار، ككلفة اقتصادية للأخبار المضللة خلال عام 2019، وفق دراسة لجامعة بالتيمور الأميركية، فإن النظر يعاد مائة مرة قبل اعتبار هذه المشكلة كغيرها، سيما أن المعلومات المالية الخاطئة في الولايات المتحدة وحدها قدّرت تكاليفها بـ17 مليار دولار، أضف إليها تسعة مليارات دولار للمعلومات المضللة المنشورة عن الصحة العامة، وثلاثة مليارات دولار لتأمين المنصات الإلكترونية، و650 مليون دولار للإنفاق السياسي وتأمين العلامة التجارية!
وفي ظروف هذه الجائحة، يمتد تأثير السريان المعلوماتي المشوه لمسارات أبعد بكثير من صنع القرار، وبناء وجهات النظر، للتأثير المباشر على صحة المتلقي، النفسية والجسدية، إذ يقول الدكتور جيف والتون، كبير محاضري المعلومات والاتصالات بجامعة مانشستر متروبوليتان، إن «أولئك الذين لا يجيدون إصدار أحكام بشأن المعلومات التي يقرؤونها أو يشاهدونها في الصحف أو التلفزيون أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة المعلومات الخاطئة مثل الأخبار المزيفة، واجهوا استجابة جسدية سلبية لها. وهذا يعني أن المعلومات الخاطئة ضارة بصحتهم البدنية»، وفق ما ورد في إحدى دراسات كلية نوريتش للطب بجامعة إيست أنجليا البريطانية. 

 

وفي اتجاه آخر، يقتاد «سرطان» المعلومات المحرَّفة والمغلوطة العالَمَ للدخول في أزمة جديدة تضاف لأزماته التي يعمل ليل نهار للخلاص منها، ألا وهي «الأنماط اللصيقة» والرموز المستخدمة كعلامات فارقة تتميز بها فئة عن أخرى، دون مراعاة الفروق والظروف. ولفهم ذلك لابد من استدراك المشاهد المصاحِبة لأولى حالات الإصابات بفيروس كورونا، والألقاب التي ارتبطت ببعض الدول، وبخاصة بؤر انتشار الفيروس، والتي امتدت اليوم للأشخاص ممن لم يتلقوا اللقاح، دون الوقوف على أسباب ذلك، وغيرها الكثير من الظواهر المعاشة في وقتنا الحاضر. 
إن ما يحدث في مضمار الانتشار المعرفي والمعلوماتي، يدعو لابتكار خريطة طريق واضحة المعالم، تستهدف كافة الجهات المسؤولة عن تدفق المعلومات، مسهمةً في إيصال خطاب إعلامي مهني احترافي، يقطع الطريق أمام لصوص المعلومات المغلوطة، وصانعي المحتوى الزائف، وفي ذات الوقت يحقق إمكانية بناء ثقة عالية بين المتلقي وجهات الإعلام سريعة الاستجابة، ومستدامة التغذية المعلوماتية، لتشيح من اهتمامه بالمصادر التي تنتهج نشر الصحافة الصفراء وبث الإشاعات، لرفع أسهم شهرتها على المنصات الافتراضية دون رقيب ولا حسيب. 
وعليه، فإن التحدي اليوم في الفضاء الإلكتروني، يكمن في قدرة صناع القرار على خلق مساحة مشتركة للمعلومات الدقيقة، والخروج من السبل لتفعيل الأدوات التي تخفف من وطأة الشائعات، وانتشار الأخبار الكاذبة التي تصب مباشرةً في وعاء السلوك الفردي والمجتمعي، واتخاذ القرارات على الصعيدين المحلي والدولي. 
إن الثقافة المجتمعية، تمر بتحديات تكوينية كثيرة، مرتبطة بالتحولات المتسارعة وبتذبذب وصول المعلومات إليها محاطةً بتطور تكنولوجي، من أحدث أشكاله منصات التواصل الاجتماعي التي لا تترك حدوداً إلا وتخطتها، سواء أكانت «حدود المعرفة» أم «حدود الخصوصية» أم غيرها الكثير، الأمر الذي يصب مباشرةً في وعاء الثقافة المفتقر لأرضية صلبة تبنى عليها، ولتشريعات وقرارات أكثر شمولية ونفاذاً.