عندما صدر لأول مرة كتاب «الشخصية العربية والمصير العربي الإسلامي» لهشام جعيط في منتصف السبعينيات بالفرنسية قبل ترجمته العربية سنة 1984، احتفى به ميشل عفلق مؤسس الحركة البعثية وقال لبعض أتباعه إنه يرجح أن ينجح المشروع القومي العربي في بلاد المغرب بعد أن أخفق في المشرق. كان الكتاب فريداً من نوعه رغم أنه باكورة كتاب الشاب التونسي الذي ألّفه قبل سن الأربعين. لقد اختلف عن كتاب عبد الله العروي الشهير «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، الصادر باللغة الفرنسية أيضاً، في فترة متقاربة مع نشر كتاب جعيط المذكور. كان كتاب العروي نقداً جذرياً لتجارب النهوض العربي الحديث من منظور ماركسي تاريخاني، في حين اتجه جعيط إلى قراءة الحركات الإصلاحية العربية والفكر القومي من منطلق متعاطف مع نغمة نقدية رصينة.
لم تكن الهموم التونسية الداخلية غائبة عن كتاب جعيط الذي كانت علاقته سيئة مع نظام الحبيب بورقيبة وقد كتب مقالة شهيرة عن زعيم الاستقلال في أبريل 1967 في أسبوعية «جون افريك» الفرنسية بعنوان «الوصوليون وصلوا». ومن هنا ندرك أن احتفاءه بالمشروع القومي العربي وبفكر ميشال عفلق على الأخص يدخل في نطاق نقده الجذري للبورقيبية في نزوعها الوطني الحداثي المتأثر بالأفكار الغربية.
في كتاب «الشخصية العربية» ظهرت الميول الأولى لجعيط في كتابته التاريخية التي تنزع إلى الاستبطان الفلسفي والسردية الأدبية، ومن هنا حضور هيغل وفلسفته في كتاباته اللاحقة. لا يتعلق الأمر بهيغل فيلسوف الجدلية والمفهوم، وإنما بهيغل فيلسوف التاريخ والدين والحضارة الذي لا يعرف عنه العرب الكثير.
ومع أن جعيط تخرج من المدرسة التاريخية الفرنسية التي عرفت بمنهجها التحليلي البنيوي ومقاربتها الوضعية الباردة، إلا أنه في دراساته التاريخية الرائدة تمسك بمسلكه التأملي الاستبطاني ومواقفه الملتزمة، مع حرصه على دقة المعلومة وموضوعية النظرة. ولقد برزت هذه المميزات في كتابه المحوري حول الكوفة الذي دشن اهتمامه الواسع بنظام التمدن الإسلامي وبتاريخ الإسلام المبكر في جدلية الديني والسياسي التي لازمته. وفي كتابه اللاحق حول «الفتنة»، والذي كتبه بلغة أدبية أنيقة وجذابة، أناط جعيط اللثام عن صدام منطق الدعوة الروحية في صفائه الأخلاقي وروحه المشدودة إلى أفق الخلاص الغيبي ومنطق الدولة الإمبراطورية الذي أخرج العرب إلى مستوى صناعة التاريخ والتنافس على مصير العالم.
وفي ثلاثيته التي شغلت سنوات عمره الأخيرة حول «السيرة النبوية» أراد جعيط أن يطبّق مشروع ماكس فيبر في تاريخ الأديان على الإسلام من حيث ما اعتبره المنطق الغائي الداخلي لدعوة التوحيد، عبر منهجه التوثيقي التأملي. لكن جعيط الذي عرف الدراسات الاستشراقية بدقة وكتب عن صورة الإسلام في الدراسات الغربية في كتابه «أوروبا والإسلام»، رفض بشدة أعمال «المراجعين الجدد» حول الإسلام المبكر (جون وانسبرو وباتريشيا كرون ومايكل كوك.. إلخ) واعتبر أنها في نزعتها الشكية الراديكالية مجرد «هذيان» لا علاقة له بالعلم والبحث التاريخي.
وعلى الرغم من أن جعيط اعتزل في غالب الأحيان النشاط السياسي المباشر، رغم مواقفه الحدية إزاء نظامي بورقيبة وبن علي التي عبّر عنها في عدة مناسبات، إلا أنه احتفظ في أعماله الفكرية والتاريخية بروح متشبعة بالهوية التاريخية والحضارية العربية الإسلامية.
لقد انتقد بوضوح التجربة السياسية للحركات القومية العربية التي اعتبر أنها أخطأت في تصورها للأمة الواحدة التي اعتبرتها مسلّمة تاريخية أصلا وطموحاً للتحقق، في حين أنها مقوم للشخصية الثقافية وفكرة موجهة لبناء الدولة والتفاعل الحي مع العالم. كما قدّم قراءة نقدية صارمة لمشاريع التحديث العربي التي غاب فيها التصور التاريخي لمسارات الحضارة الكونية الراهنة، فاتسمت بالانفصام بين منطق الهوية ومنطق الإبداع والتجدد.
لم يكن جعيط من دعاة القطيعة والانفصال على غرار أصحاب المشاريع التراثية الذين كتبوا جل أعمالهم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بل كان من المؤمنين، من منطلق هيغلي، باستمرارية الروح الحضارية وقابليتها للتموضع في أشكال تاريخية جديدة. ولقد حضرته في إحدى الندوات العلمية بتونس، عام 1988، معلِّقاً على باحث مشهور تحدث عن رواد التنوير العربي بالقول: «إن مطلب التنوير مطروح اليوم دون شك، لكنه التنوير الذي يفك ارتباطنا بالتبعية لا يقننها ويكرسها.. وما دام مبدأ التنوير هو التحرر فالخطوة الأولى هي التحرر من المركزية الغربية في فكر التنوير ذاته».
رحم الله هشام جعيط.