ربما يقترب لغز وزيرة الخزانة الأميركية «جانيت يلين» من الحل. فحين كانت تتولى قيادة الاحتياط الاتحادي، انتابتها الحيرة بسبب عدم تصاعد التضخم رغم انخفاض البطالة وسنوات من أسعار الفائدة المنخفضة وجولات متعددة من التيسير الكمي. وشبه «كلاوديو بوريو»، المسؤول الكبير في «بنك التسويات الدولية»، الوضع بالنظر في المرآة. فالبنوك المركزية التي سعت ذات يوم جاهدة لكبح التضخم وجدت نفسها نتيجة لهذا تحاول الصعود به. وأنفق «بوريو» و«مارك كارني»، محافظ بنك أوف إنجلاند (البنك المركزي الإنجليزي) وقتاً أيضاً في التفكير في حل اللغز. واعتقدوا أن جزءاً من الإجابة على الأقل يكمن في عولمة أسواق العمالة.
والأمر لم يعد يتعلق كثيراً بما يدفعه المصنع المجاور من أجور للعمال أو ما يحصل عليه مقابل منتجاته، بل أصبحت المسألة تتعلق بما يفعله المنافس أو المورد في الجانب الآخر من العالم. وحين تحدث أشخاص مثل «بوري» و«كارني» عن دخول أكثر من مليار عامل إلى قوة العمل منذ الحرب الباردة، فقد كانوا يشيرون أساساً إلى الصين. فقد أصبح الاقتصاد الصيني كبيراً للغاية وقوة تصدير وتصنيع هائلة لدرجة استطاع بها خفض الأسعار من سيدني إلى سياتل. لقد أصبحت الصين تياراً قوياً ضد التضخم في الاقتصاد العالمي.
لكن هذه القوة تتراجع الآن، فسوق العمال الصينية تتقلص وفقاً لأحدث إحصاء للسكان. وبكين تعمل على زيادة عدد سكان البلاد وأعلنت في الأيام القليلة الماضية أنها ستخفف القيود على العدد المسموح به للأسرة الواحدة لتسمح للأزواج بإنجاب طفل ثالث. والتضخم المحلي يتعزز وهناك دلائل تشير إلى أن الشركات تمتص الكلفة العالية للمواد الخام بدلاً من نقل الكلفة إلى المستهلكين. وهذا يمثل نوعاً من الضغوط التي تصارعها الشركات الغربية حين تتعامل مع منافسين منخفضي الكلفة في آسيا. ويجد مسؤولون أيضاً صعوبة في كيفية التعامل مع عملة مبالغ في قيمتها.

وزيادة سعر «اليوان» قد تميل إلى مواجهة التضخم لكن البنك المركزي يتردد في السماح بالكثير من التقدم قريباً مخافة خلق فقاعات في الأصول. وارتفعت أسعار المصنع للبضائع في الصين 6.8% في أبريل عن عام سابق فيما يمثل أكبر مكسب في أكثر من ثلاث سنوات. وأسعار المستهلك ارتفعت 0.9%، وهو مقدار ضئيل أقل من المتوقع، لكنه يمثل أكبر زيادة منذ سبتمبر الماضي. وتؤكد بكين على أن تأثير أسعار البضائع الأولية على الاقتصاد المحلي ستكون محدودة وأن نمو الأسعار مازال يمكن السيطرة عليه. لكن مسؤولين تعهدوا بتعزيز السيطرة على أسواق المواد الخام لكبح الكلفة على الشركات.

وصناع السياسة محقون في قلقهم. فالشركات لا تنقل التأثير الكامل لزيادات الأسعار وبعض هوامش الربح يجري تقليصها، وفقاً لـ«ديفيد كو»، من «بلومبيرج اكونوميكس»، وكتب «كو» في الآونة الأخيرة يقول: «إذا بدأت أسعار السلع الأولية في الارتفاع، فقد تمضي الدورة دون أن تنقل الصين التأثير الكامل لكلفة المدخلات الأعلى إلى باقي العالم. (لكن) إذا استمر الارتفاع (في السلع الأولية) فقد ينهار ممتص الصدمات». ومخاوف المسؤولين الصينيين تشبه في بعض الوجوه مخاوف المسؤولين في الاحتياط الاتحادي والبنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي الإنجليزي. فهم يحاولون فحص الإجراءات في الآونة الأخيرة ليعرفوا مقدار ما تعكسه في صورة تعاف طبيعي بعد تدهور النشاط بسبب جائحة كوفيد-19.

لقد كان العام الماضي، هو الأسوأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي. صحيح أن الصين تعافت أسرع من الاقتصاديات الكبيرة الأخرى لكن تقلصها في الشهور الثلاثة الأولى من عام 2020 كان هو الأول من نوعه في عقود. وذكر الاحتياط الاتحادي أن جانباً كبيراً من الزيادة في التضخم ربما يكون «انتقالياً» وهو رأي تردده قيادات في بنوك مركزية كثيرة. وإذا كانوا على خطأ، فربما يتعين رفع أسعار الفائدة بأسرع من المتوقع مما يشيع الاضطراب في الأسواق ويؤخر التعافي.

والمسؤولون في «بنك الصين الشعبي» قلقون من الاقتصاد التضخمي ومن الإفراط في عدم التوازن المالي لكنهم يدركون على الأرجح أن النمو الاقتصادي سيبطئ بعد بلوغه نحو 8% هذا العام. وأصبح البنك المركزي أكثر خبرة وانضباطاً بعد الأزمة المالية العالمية حين أنفقت الصين بسخاء على الأشغال العامة. وساعد التحفيز على نمو مطرد في الداخل والخارج، لكنه ترك عبئاً من الديون ظلت الشركات تكافحه لسنوات. ولم يعد من الممكن وصف الصين بشكل كاريكاتوري باعتبارها مكاناً به سيل لا ينقطع من العمالة الرخيصة تنتج سلعاً رخيصة للمستهلكين والأنشطة الاقتصادية في العالم. هل هذا يعني أن التضخم سيرتفع بشكل خطير ويبلغ قمماً تهدد الاقتصاد كتلك التي بلغها في سبعينيات القرن الماضي؟ هذا غير مرجح. لكنه لم يعد افتراضاً مجنوناً.

وحين يرسم «جيروم باول»، الرئيس الحالي للاحتياط الاتحادي، أو أي شخص يخلفه، الطريق إلى سعر فائدة أعلى، قد يجد نفسه أمام اللغز نفسه الذي واجهته وزيرة الخزانة الأميركية «جانيت يلين». أما بالنسبة للشركات في الغرب الأوسط الأميركي أو في شمال إنجلترا التي اشتكت لسنوات من إضرار الصين بها، فقد تجد بعض السعادة حين ترى أن بكين تواجه كلفة متصاعدة ومناطق صناعية أصبحت راكدة خاصة بها.