هل لنا أن نتصور أن خلف السباق المحموم لإنتاج لقاح مضاد لكوفيد-19 عوامل أهم من صحة الإنسان؟ الجميع بطبيعة الحال لا يتصور ذلك. لكن عندما نتحدث عن دبلوماسية اللقاحات وتوظيف مجال الجغرافيا السياسية في معركة الفيروس التاجي في العالم، لعل الأمر في الواقع له وجه يختفي خلف قناع الواقعية السياسية وأهداف غير معلنة تحرك – بجانب المال والنفوذ وعودة العجلة الاقتصادية لسابق عهدها- المياه الراكدة، نلحظ أنه يتم الإعلان بين الحين والآخر عن نسب نجاح كبيرة للقاحات التي يتم تطويرها وتعتبر كلقاحات طوارئ قصوى، وأخرى العمل جارٍ على تطويرها لتُختبر في مراحل مختلفة اليوم ضد الفيروسات التاجية. وهناك دول كثيرة أبرمت عقوداً لاستقطاب ملايين المطاعيم من بلدان مختلفة، وهي تُستخدم دون أدنى شك كأداة جيوسياسية، كما يوجد الكثير من المنافسة بين دول تتسابق لتطوير لقاح للفيروس التاجي.
ويعد التركيز على التحدي الصحي الحرج، الذي يواجه العالم الآن، أمراً في غاية الصعوبة، وفي الوقت نفسه أولوية قصوى لجميع سكان الكرة الأرضية الذين يأملون في وجود لقاح فعال وآمن في المستقبل القريب جداً، مع التداعيات المتوقعة على الدول التي ليس لها علاقات ودية مع الحزب الشيوعي الحاكم في الصين على سبيل المثال أو الولايات المتحدة.. إلخ. وتعاون بين أكثر من دولة وشركة لصناعة اللقاح، وبالتالي بدأت بالفعل في استخدام مرشح اللقاح كأداة قوة ناعمة حتى قبل الموافقة عليه بالكامل، وبالتالي تعزيز صداقاتها مع البلدان النامية، والضغط على الدول أو جعلها تميل لجانب على حساب الآخر أو التلويح بقوة استئثار الدول الغنية في العالم باللقاح القادم، ولن تجد بعض الدول حينها مخرجاً، وستكون الحكومات في عنق الزجاجة، وقد تتخلى عن بعض مكتسباتها أو مصادرها الرئيسية مقابل مصلحة البقاء.
في حين أن العوامل التجارية والوبائية ستلعب دوراً كبيراً في التجارب والتوزيع في المستقبل، فإن اعتماد لقاح صيني أو أميركي أو فرنسي أو ألماني أو بريطاني أو فرنسي أو إسرائيلي أو هندي أو مشترك، سيكون أيضاً ذا أهمية لفرض الأجندات والمشاريع السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والتقنية ومثال على التسييس أنه  كيف اشترت الولايات المتحدة كامل الإمدادات العالمية من دواء «الريمديسيفير»، والتي يمكن استخدامها لعلاج «كوفيد-19»، مما يضمن عدم حصول أي بلد آخر على الدواء لمدة ثلاثة أشهر. 
كما أن بعض القادة يرون اللقاح بمثابة العصا السحرية لبداية تعافي الاقتصاد العالمي وتعزيز حضورهم وثرواتهم السياسية. ومن جانب آخر حذر «توماس كويني»، المدير العام للاتحاد الدولي لمصنعي وجمعيات الأدوية، من أن الصناعة قد تقع في منطقة وسط بين الحكومات التي ترغب في تلقي اللقاح أولاً ومبادرات الوصول العالمية التي تحاول ضمان التوزيع العادل. وبالمقابل هناك غياب للشفافية وكثير من الصفقات السرية في الكثير من الحالات، حيث يعتبر التحصين أحد قضايا الأمن القومي، وبالتالي من الصعب جداً الحصول على الشفافية في ظل سياق عالمي من ندرة إمدادات الأدوات الطبية واللقاحات المستقبلية. وبعيداً عن العدسة العدائية التقليدية، فإن ديناميكية الحرب الباردة القديمة تؤثر حتماً على المناقشات في المنطقة الرمادية لهذا الصراع، حيث يتم تصوير الاندفاع لإنتاج وتقديم لقاح على أنه أشبه بـ«سباق تسلح» جديد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين والجانب الأوروبي. وينبغي نبذ عقلية الحرب الباردة والتحيز الأيديولوجي، والتكاتف بروح الشراكة لتتغلب على الصعوبات. ربما يصبح ذلك مجرد حبر على ورق لتباين وتضارب المصالح بين الدول.